تخطي إلى المحتوى الرئيسي

 

أ.د.محمد علي قحطان

      -----------------------

تعتبر العدالة الانتقالية في اليمن مطلب أساسي ومهم للغاية ، إلا أن تطبيقها بحاجة إلى مواجهة الظروف المعقدة التي تمر بها اليمن في الوقت الحاضر. إذ انها تهدف إلى معالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والتي شهدتها البلاد في نزاعات مراحل سابقة .

       وبناء على ذلك لا أرى بإمكانية تحقيق العمل بمبادئ العدالة الانتقالية قبل أن يتحقق السلام ويعاد بناء الدولة. ومع ذلك فإنه من الممكن أن تسهم الجهود التي يقوم بها فريق العدالة الانتقالية التابع لمكتب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في إطار السعي المتواصل لبلوغ تأصيل قيم العدالة الانتقالية بمفهومها الواسع والمتضمن الإعتراف بالانتهاكات الجسيمة في نزاعات مراحل سابقة وجبر الضرر لتحقيق العدالة الانتقالية ، من شانه التمهيد لتحقيق السلام واستعادة الدولة ومؤسساتها المختلفة والإستقرار والأمان الدائم لكل مكونات المجتمع وأطراف العمل السياسي في بلد ممزق أنهكته النزاعات والحروب .

   وبراينا أن ما يمكن ان يتم العمل به حالياً هو التركيز على جانب الإصلاح المؤسسي الذي يؤدي إلى استعادة مؤسسات الدولة في إطار مكونات السلطة الشرعية المعترف بها دولياً وذلك ممكن من خلال التركيز على تطوير البناء المؤسسي القائم للسلطة الشرعية ، في المجالات التالية:

       أولا: في المجال السياسي:

       يتطلب الإصلاح والتطوير المؤسسي في هذا المجال الارتقاء بمجلس القيادة الرئاسي لمستوى القدرة على مواجهة التباينات بين الاعضاء وتطوير الهيكلية التنظيمية والادارية للمجلس ، بحيث يشكل المجلس هيئة رئاسة واحدة تعمل على ترسيخ مبادىء تنظيمية وإدارية صحيحة ومتماسكة من شانها قيادة الدولة في مرحلة انتقالية بالغة التعقيد ، وذلك يحتم العمل على مايلي:

    1) دمج جميع المكونات العسكرية والأمنية التي يمثلها أعضاء مجلس القيادة الرئاسي في إطار الدولة (( وزارتي الدفاع والداخلية)) . ويمكن أن يتحقق ذلك إذا توفرت الإرادة السياسية لقيادات الدول الداعمة للشرعية واهمها: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.

     2) إعادة بناء مجلس الوزراء بصفته الأداة التنفيذية لمجلس القيادة الرئاسي لإستعادة مؤسسات الدولة وإعادة بنائها وتعافيها ، ويمكن ذلك من خلال ابعاد الوزراء غير المؤهلين وغير الفاعلين بما هو مخصص لهم من الصلاحيات الوزارية المكلفين بإدارتها ، بحيث لا يبقى في الهيئة الحكومية للدولة أي عنصر خامل وغير قادر على إعادة بناء الوحدات الإدارية والاقتصادية التابعة لوزارته وبصورة تمكن الحكومة من القيام بواجبات الدولة في مختلف المجالات. ومن الضروري أن تحصل الحكومة على اسناد قوي للوفاء بالتزاماتها وذلك من قبل مجلس القيادة الرئاسي والدول الداعمة للشرعية وفي مقدمتها: السعودية والإمارات.

    ثانياً: في المجال الاقتصادي:

          إعادة البناءة المؤسسي في هذا المجال يتطلب العمل على ما يلي:

        النقطة الأولى: توحيد السياسة النقدية والعملة الوطنية من خلال السيطرة التامة على وظائف البنك المركزي اليمني وإعادة بناء الجهاز المصرفي اليمني وبارادة وإدارة قوية تتمتع بقدر عال من الاستقلالية والكفاءة ومركزها في عدن .

      النقطة الثانية: مواجهة الإنهيار في الجهاز المالي للدولة ، من خلال إعادة بناء وزارة المالية ومكاتبها في المحافظات والارتقاء بها إلى مستوى مواجهة انفلات الأوعية الإيرادية للدولة من خلال تفعيل العمل بالقانون المالي واللوائح المنظمة للموازنة العامة للدولة.

 ثالثاً: في المجال الإنساني:

        يتطلب العمل على ما يلي:

          - إخراج جميع الأسرى والمعتقلين بتهم سياسية وقضايا رأي عام من جميع المعتقلات والسجون التابعة للدولة سواء التي تحت سيطرة الحوثيين أو التي تحت سيطرة الشرعية.

      - فتح جميع الطرقات الرسمية البينية بين جميع المحافظات اليمنية وكذا المعابر الحدودية الدولية بين اليمن ودول العالم ( البرية ، البحرية والجوية) ، حتى تتيسر حركة التواصل وتتم عمليات التنقل والتبادل التجاري بيسر وسهولة وتعود للبلاد أنشطتها الإستثمارية لتحقيق قدر عال من الإزدهار ثم الانتعاش الاقتصادي وتحسين حياة المواطنين .

    رابعاً: في المجال الاجتماعي:

           لتحقيق التماسك الاجتماعي والإستقرار والأمان ينبغي العمل على ما يلي:

     - وصول الخدمات العامة لكافة مواطني الدولة في المحافظات اليمنية ، بحيث تتوفر للمواطنين اينما كانوا ، خدمات الدولة ورعايتها. إذ غير ممكن أن يتحقق السلام ويعود للدولة مكانتها العامة دون أن تعمل على توفير:

 خدمات الكهرباء ، المياه المنزلية النقية ومياة الشرب النظيفة ، خدمات الصرف الصحي ، خدمات الأمن ، العدالة ، التعليم والصحة...وغيرها من الخدمات العامة التي تبرز أهمية وجود الدولة في حياة مواطنيها.

      - المشاركة الواسعة للفئات السكانية بمختلف مستوياتها الاجتماعية في جميع المؤسسات القيادية للدولة.

     - إيصال المساعدات الإنسانية الدولية عبر مؤسسات الدولة الشرعية المعترف بها دولياً وتوجيهها نحو التنمية المستدامة من خلال الانشطة السكانية في الريف ، بالزراعة والأنشطة المرتبطة بها ، باعتبار أن سكان الريف يشكلون أغلبية سكان البلاد وفقرائها . إذ يقدر حجمهم بنسبة تتجاوز 70% من إجمالي السكان.

    خامسا: في مجال القضاء:

  تشكل مؤسسة القضاء أهمية بالغة لتحقيق أهداف العدالة الانتقالية. وكما هو معلوم بأن مؤسسة القضاء في غاية السوء ، ينتشر فيها الفساد بصورة فاضحة. وبالتالى فإن قضية إعادة بناء هذه المؤسسة وتطهيرها من الفساد تحتل أولوية وأهمية بالغة ، ينبغي أن تعطى أولوية في انشطة فريق العدالة الانتقالية التابع لمكتب مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ولمؤسسات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.